حسن الأمين

300

مستدركات أعيان الشيعة

ترجز به وتعين عليه الأشهب . فما سمعت تشهير الفرزدق بها قالت : لا أرى الرجال يذكرون مني مثل هذا فعاهدت الله ان لا تقول بيت شعر أبدا . وأكثر اهاجي الفرزدق في فترته الأولى قصيرة فيها البيتان وفيها الثلاثة وقد تبلغ الأربعة والخمسة . وأهاجيه على قصرها لاذعة تؤدي غرضها وتصيب هدفها . ولجودة قصار الفرزدق قال فيه الجاحظ : انك لم تر شاعرا قط يجمع التجويد في القصار والطوال غيره . نال الفرزدق من سيد بني نهشل يزيد بن مسعود وهزئ بالأشهب . وتبادل الفرزدق والأشهب النقائض في تهاجيهما فكانت أولى تجارب الفرزدق في هذا الفن . واستعان الفرزدق في طوال أهاجيه بما وعته حافظته من ذكر المثالب والمآثر والأيام وكان حافظا واسع الرواية يتتبع الأخبار ويتقصى الآثار ويتثبت من مواطئ قدميه وهو ينظم أهاجيه ليتقدم ثابت الخطا لا تزل به قدم . حتى قال الجاحظ في وصف الفرزدق : وهو راوية الناس وشاعرهم وصاحب اخبارهم . وقال يونس : لولا شعر الفرزدق لذهب نصف اخبار الناس . وقارع الفرزدق مسكين بن عامر أحد بني عبد الله بن دارم الذي رثى زيادا عندما مات فانبرى له الفرزدق وعرض به ونال منه وهجا زيادا لطلبه إياه واخافته له . ثم نشبت بينه وبين شعراء قيس في أعقاب مقتل قتيبة بن مسلم الباهلي سنة 96 همعارك هجائية وبينه وبين الطرماح بن حكيم الطائي عقب مقتل يزيد بن المهلب 102 ه‍ . وكان الفرزدق يحسن انتقاء اللفظة الدالة والصورة المعبرة ليؤدي ما يريد من مبالغة : إذا لبست قيس ثيابا سمعتها تسبح من لؤم الجلود ثيابها وقد يرمز الفرزدق إلى ما يريد من فحش رمزا فيه خبث ومهارة كقوله في هجاء باهلة : ما الباهلي بصادق لك وعده ومتى تعدك الباهلية تصدق وكانت معركة الفرزدق والطرماح آخر المعارك وكان الفرزدق قد طعن في السن وآثر أن يأوي إلى الظل ولعله في هذه الفترة كان قد أعلن توبته وعاهد ربه : على قسم لا اشتم الدهر مسلما ولا خارجا من في سوء كلام . ولم يقتصر هجاء الفرزدق على الشعراء وقبائلهم بل كان له نوع ثان من الهجاء عرض فيه للولاة والأمراء والقواد وأشراف الناس فقد عرض بابني الزبير مصعب وعبد الله تقربا إلى بني مروان . وهجا المهلب بن أبي صفرة وابنه يزيد وقومهما من الأزد . وهجا خالد بن عبد الله الأموي والي البصرة وأخويه أمية وعبد العزيز . وهجا الحجاج بن يوسف بعد موته وقتيبة بن مسلم الباهلي وعمر بن هبيرة الفزاري وخالد بن عبد الله القسري واليا العراق . ومالك بن المنذر بن الجارود العبدي والي الشرطة في البصرة . وقد سلك الفرزدق في هذا الهجاء طريقين مختلفين سار في أحدهما على خطى نهجه الأول فهو يهجو ردا لإهانة نالته أو إساءة لحقت به فيتسم هجاؤه بالتعرض للمهجو في نفسه وفي قبيلته . أما طريقه الثاني فهو الهجاء السياسي الاجتماعي يندفع اليه الشاعر استجابة لملابسات السياسة . فإذا عرض بابن الزبير نعته بالكذاب كما كان ينعته بنو أمية ورماه بالإلحاد كما كانوا يرمونه وبمعان مستمدة من النزاع الذي نشب حول الخلافة وما كان يحتج به بنو أمية من ثبوت حقهم في الخلافة . كما تتراءى الصور الإسلامية في هجاء الفرزدق حين يعرض لابن الأشعث وثورته حيث يتحدث عن الحق والباطل والضلال والهدى ويتمجد بذكر أولياء الله من بني أمية واختار الله منهم لعباده وخلافته عبد الملك إماما . وهذا اللون من الهجاء السياسي والاجتماعي يمثل القيم الجديدة التي ثبتها الإسلام والتي غيرت في حياة الناس وعقائدهم . الغزل والنسيب كان في طبع الفرزدق ميل إلى اللهو والمتعة تستهويه مغازلة النساء ومفاكهتهن وأتاح له الفراغ والجاه ان يقضي شيئا من ماربه . وكانت قصص امرئ القيس وأحاديثه وأشعاره من أول ما وعاه . ويبدو انه أثر فيه تأثيرا بعيدا ولقي من نفسه استجابة . فقد كان الفرزدق مع طلب المتعة وإيثار اللذة يحب ان يحدث بذلك ويعلنه فعل امرئ القيس . كان يؤثر الفضيحة ويسعى إليها غير آبة للفروق الكبيرة التي فرقت بين عصره وعصر قدوته امرئ القيس . وعند ما تعرف إلى المرأة الحضرية التي أخذت بضروب الأدب وأتقنت فن الحديث ومطارحة الشعراء أحسن وصف هذه المرأة التي أعجبه ولها ونعمتها وحسن تغنيها . وعلى طريقة امرئ القيس يروي لنا مغامرته مع امرأة متزوجة من رجل من أهل المدينة ليدل على مقدرته في إغراء المرأة وشدة تصببه لها . ولكن حب الشاعر لنفسه وإيثاره إياها كاد يجعل حديثه مقصورا على ما اتى به . ولم يضع على لسان المرأة ما يصف عواطفها وشغفها به كما هي الحال مع امرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة . ويصف لنا الفرزدق العديد من مغامراته الغرامية التي كان يخرجها مخرج القصص الغزلي الماجن لا يتأثم من شيء ولا يهمه الأخذ بأدب أو خلق ، فيفيض بتلك الأوصاف القصصية التي لا تخلو من فن على ما فيها من تعهر يحول بين الذوق وقبولها فضلا عن استساغتها والإعجاب بها . ونسيب الفرزدق تقليدي اجمالا يأتي في مطالع القصائد وهو جاف خشن بعيد عن حسن التعبير ذلك لأن الفرزدق مادي في شهواته بعيد عن الذوق الشعري والعاطفي والإنساني إلا صورا لا ينبو الذوق عنها جملة . والغريب اننا لا نجد للفرزدق مع استهتاره بالنساء وكثرة مغامراته أبياتا حلوة في النسيب . وتجدر الإشارة هنا إلى أن خصائص الفرزدق الفنية من غرابة الكلمات وتعقيد التركيب أحيانا والميل إلى فخامة الكلام لا تعير نفسها للإجادة في الغزل والنسيب . أما غزل الفرزدق خاصة فغزل بدوي يشبه ما يتطلبه طرفة بن العبد لا ما تطمئن به نفس عمر بن أبي ربيعة : انه تعبير عن الحاجة إلى المرأة من غير اهتمام بمحاسنها . وللفرزدق قصائد فيها شبه قصص كما في شعر امرئ القيس وعمر ولكن فيها أيضا خلاعة واستهتار وإقذاع . وهذا ما تنبه له ابن سلام الذي قال : من الشعراء من كان ويتعهر في جاهليته ولا يبقي على نفسه ولا يتستر منهم امرؤ القيس ومنهم الأعشى . وكان الفرزدق أقول أهل الإسلام في هذا الفن . الوصف وصف الفرزدق بدوي قليل في ديوانه وان كان هو كثير التشابيه والاستعارات ووصفه حسي في الأكثر ففيه قصص قليل .